الحاج محمد أمين الحسيني ودوره في الحركة الوطنية الفلسطينية (1897-1974).

الحاج محمد أمين الحسيني

ودوره في الحركة الوطنية الفلسطينية (1897-1974).

 

قراءة سلوى فاضل

يحاول الباحث المصري عصام الغريب البحث في ملفات الحاج أمين الحسيني (1897-1974) وهو الذي إختلفت الدراسات حول موقفه من اليهود. وجاء الكتاب الذي نحن بصدد عرضه، قد أعد عام 2014، أي بعد أربعة عقود من وفاة الحسيني.

هذا الكتاب كبير نسبيا، حيث يتوّزع على ستة فصول كبيرة تصل في صفحاتها إلى 486 صفحة. علما أن الكثير من الحبر قد أريق للتعريف بالحسيني.

يعتبر “مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي” ان هذا الكتاب من ضمن مشروعه لعرض تجارب شخصيات فكرية ونضالية من العالم العربي والإسلامي. والفصول تمشي تحت عناوين هي:

1- عائلة الحسيني ومكانتها في فلسطين.

2- دور الحسيني في الحركة الوطنية الفلسطينية (1917-1929).

3- دور الحسيني في الحركة الوطنية الفلسطينية (1929-1936).

4- دور الحسيني في الثورة الفلسطينية (1936-1939).

5- دور الحسيني في الحركة الوطنية الفلسطينية (1939-1947).

6- الحسيني وحرب فلسطين 1948 وذيولها.

7- خاتمة مرفقة بمصادر ومراجع ووثائق منشورة وغير منشورة.

 

سيرة حافلة

وقعت فلسطين تحت نير الاستعمار البريطاني، بعد تقسيم التركة العثمانية، كما هو حال بقية الدول العربية، وبالأخصّ لبنان والأردن وفلسطين والعراق وسورية. هذه الدول كانت عُرضة للإقتسام بين فرنسا وبريطانيا. وبالطبع كانت فلسطين هدف اليهود الأول، خاصّة في ظل وعد بلفور الشهير الذي قطع عام1917 للحركة الصهيونية العالمية.

وفي كل بلد من البلاد العربية، كان الوطنيون يحاولون تحرير بلادهم وبالتالي استلام دفة الحكم فيها، لكن إرادة المحتل كانت أقوى في ظلّ خنوع الأنظمة العربية وجيوشها وتواطؤ قادتها.

ففي فلسطين كان الشيخ أمين الحسيني، رمزاً للجهاد، وشخصية لا يمكن تخطيها عند الحديث عن تاريخ فلسطين، إذ كان مدافعاً عن فلسطين وثورتها ضد الاستعمار البريطاني. وهو الذي أصدر فتوى ضد كل من يبيع أرضه لليهود مباشرة أو عبر السماسرة، حيث جمع المخاتير في القرى الفلسطينية لأجل ذلك، وألقى الحُرم على من يبيع.

ومن جهة أخرى، عمل بطريقة سياسية لحلّ الأزمة مع الاستعمار، لكن لم يفلح لأن اليهود كانوا مُدججين بالسلاح مقابل أعزليّة العرب.

درس الحسيني في القدس، ثم إلتحق بجامعة الأزهر بالقاهرة، ثم عيّن مُفتيّا على القدس. وكان قصد مدينة إسطنبول عام 1915 للدراسة، فانتسب إلى الكلية العسكرية وتخرّج منها برتبة ضابط، ثم التحق بالثورة العربيّة بقيادة فيصل بن الحسين قبيل انتهاء الحرب العالمية الأولى 1918.

وعلى إثر الانتداب البريطاني على فلسطين، وانطلاق نشاط الجمعيات الصهيونية للتوجه نحو فلسطين في ظلّ دعم بريطاني عسكري كبير، عُيّن الحسيني عام 1918 مرافقاً خاصاً للحاكم البريطاني العسكري، لكنه استقال احتجاجاً على السياسة البريطانية تجاه بلاده، وتوّجه ليكون مُعلما في “كليّة المعارف” بالقدس.

 

مراحل بارزة

منذ العام 1914 وحتى العام 1948 تاريخ احتلال فلسطين، مرّ الحسيني بالعديد من المراحل النضالية في مواجهته للاستعمار البريطاني لدول الشرق العربي. ففي عام 1936 أُنتخب كرئيس لـ”النادي العربي” بالقدس، وخلال توليه الرئاسة عمل لخدمة بلده فلسطين ومواجهة الاحتلالين البريطاني والصهيوني، فزار لأجل ذلك كل من مصر والعراق وسورية ودول الخليج وإيران والهند وأفغانستان لعرض ما ينتظر بلاده من هيمنة عسكرية كبيرة.

كما حاول الإنكليز إلقاء القبض عليه بسبب قيادته للتظاهرات المُناهضة لهم، لكنه هرب إلى العراق ومنها إلى دمشق، ما لبث عاد أن القدس بعد أن عفا عنه المندوب السامي البريطاني، وكان أن عُيّن بمنصب الإفتاء عام 1921 خلفاً لأخيه الراحل. ومن ثم انتخب عام 1922 كرئيس للمجلس الإسلامي الأعلى لإدارة شؤون الأوقاف والمحاكم الشرعية.

بدأ الحسيني نشاطه الثوري، فحرّض الفلسطينيين على الثورة ضد الاستيطان اليهودي 1920 من خلال ما عُرف بـ”ثورة البيارق” والتي سقط خلالها عددا من الشهداء.

بعد سنوات، وفي 1936 انطلقت الثورة المسلّحة في فلسطين على يد تلامذة الشيخ عزالدين القسّام (1882- 1935) وعبدالقادر الحسيني (1908-1948)، ثم توالت المواجهات بين الفلسطينيين واليهود الصهاينة في مختلف المدن الفلسطينية.

فحاول الحسيني دعم الثورة عبر التواصل مع قادة كل من السعودية وسورية والعراق والأردن، لكنه لم يلقَ أذانا صاغية. فهرب إلى لبنان ليكون بحماية المستعمر الفرنسي داعما ومُوجها الثورة عن بُعد، حيث حاولت بريطانيا الضغط على الفرنسيين لتسليمه، لكنه انتقل إلى بغداد، ومنها إلى إيران ثم إلى تركيا فـألمانيا فـروما.

عام 1948 سلّم البريطانيون أراضي فلسطين لعصابات “الهاغاناه” الصهيونية، التي احتلت العديد من المدن الفلسطينية، وطردت أصحاب الأرض. فلم يسكت الفلسطينييون في غزة، فكان أن أعلنوا “حكومة فلسطين” وعيّنوا الحسيني رئيساً “للجنة العربية العُليا” فيها. لكن هذه اللجنة فشلت في أداء مهامها الوطنية كون الأنظمة العربية آنذاك، وعلى رأسها ملك الأردن عبدالله، حاربها، وتدخّلت الحكومة المصرية فاعتقلت الحسيني واضعة إياه قيد الإقامة الجبرية.

بعد عقد “اتفاقية الهدنة” بين الأنظمة العربية و”إسرائيل”، وضمْ الضفة الغربية إلى الأردن، ووضع غزة تحت سلطة الإدارة المصرية، انتفى دور “اللجنة العربية العُليا” عمليا، فانتقل الحسيني من مصر عام 1959 إلى لبنان.

وبعد ثورة 1952 في مصر بقيادة الضباط الأربعة، تحرّر الحسيني من قيد الإقامة الجبرية، فقام من جديد بجولات خارجية نحو عدد من دول العالم لشرح قضية فلسطين، إلا أن هذه الجولات ذهبت سدى، خاصة بعد “نكسة 1967″، إلى أن توفي في الرابع من تموز/يوليو عام 1974 في بيروت، ودفن فيها.

تميّزت المرحلة الحُسينية في فلسطين (نسبة إلى الحُسيني) بالعمل السلمي وبالمواجهة الكلامية بداية، لكنه اكتشف بُعيد العام 1936 أن الكلمة لم تؤتِ أُكلها، فدعم التحركات المقاومة التي انطلقت بعتاد بسيط في مواجهة اليهود المُدججين بالسلاح، وهم أفراد عصابات مدربين في أوروبا بشكل كبير.

 

الألمان والحسيني

وفي اطلاع تفصيلي على سيرة الحسيني نجد أنه تحالف مع الألمان بعد تهديد البريطانيين له في حال مواصلته دعم الثوار.

وهو الذي فتش عن داعم لقضيته، فكان أن اتصل بالقنصل الألماني في القدس طالبا منه المساعدة لمواجهة الصهاينة، لكن قرار التقسيم الصادم جعله يترك فلسطين إلى بيروت بهدف قيادة الثورة من هناك، خوفا من اعتقال البريطانيين له، إلى أن اندلعت الحرب العالمية الثانية عام 1945.

ظلّ الحسيني في بيروت في كنف الانتداب الفرنسي حتى العام 1939، إذ حاولت بريطانيا إغراء الفرنسيين لتسليمهم إياه، وهو الذي انتقل إلى بغداد، واتصل بالألمان، أعداء البريطانيين، لحماية نفسه، وهذا أمر مبرر سياسيّا، نظرا لغياب الدعم العربي له ولقضيته. ولكون الألمان كانوا حلفاء العثمانيين، خاصة في زمن السلطان عبد الحميد.

من هنا، استغلت ألمانيا الفرصة وتحالفت مع العرب ضد بريطانيا، فاعترفت باستقلال الدول العربية، وأبدت استعدادها للتعاون معهم فيما يتعلق بالمساعدة العسكرية للمنطقة. كما زار الحسيني روما والتقى بنيتو موسوليني طالبا تأييد دول المحور للاستقلال، وإنقاذ فلسطين من التآمر اليهودي المدعوم بريطانيّا.

وقصد ألمانيا فالتقى أدولف هتلر عام 1941، الذي أيد استقلال الأقطار العربية، ومواجهة المشروع اليهودي. لكنه بالمقابل لم يُقدِم على أي دعم ميداني حرصا على جيوشه في المنطقة، كما أصرّ هتلر على كتم التعاون المتبادل لأسباب قد تكون ميدانية.

لكن الحسيني استطاع انتزاع اعتراف علني من كل من هتلر وموسوليني بدعم القضايا العربية العادلة. ونتيجة تطور ظروف الحرب فرّ الحسيني من ألمانيا إلى سويسرا ومنها إلى القاهرة.

عام 1947 أصدرت الأمم المتحدة قرارها بتقسيم فلسطين إلى دولتين إحداهما عربية والثانية يهودية مع جعل مدينتي القدس وبيت لحم تحت الوصاية الدوليّة.

فاجتمع مجلس الجامعة العربية في لبنان، وقررت حكومات كل من سورية ولبنان والعراق ومصر فتح جبهاتها على حدود فلسطين وتقديم السلاح للفلسطينيين.

وخرج البريطانيون من فلسطين في 15 أيار/مايو 1948 تاركين كافة أسلحتهم لتسيطر عليها عصابات “الهاغاناه” الصهيونية، فدخلت جيوش خمس دول عربية إلى فلسطين وخرجت خاسرة مهزومة في ظلّ تشرذم وتآمر قادة الجيوش، وبعدها أصيب الفلسطينيون بما أسموه -تخففا- “نكسة” عام 1967.

 

الخلاصة

عُرف عن آل الحسيني في فلسطين تاريخهم الطويل بالنضال، فمنهم أمين الحسيني، ومنهم عبدالقادر الحسيني، ومنهم موسى الحسيني، وتكر السُبحة.. وهي عائلة تتوزع بين فلسطين ولبنان وسورية والأردن والعراق.

فالأول استعمل الإسلوب السياسي لطرد اليهود والبريطانيين، أما الثاني فقد يأس من خذلان الأنظمة العربية والرؤساء العرب لفلسطين وكشف نفاقهم باكرا، فقاوم حتى الرَمق الأخير واستشهد في ثورة هو قائدها. فكانا القائدان المثالان.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

آخر الأخبار