العاطلون عن العمل والعاطلون عن التفكير..وكيف يتم تشكيل ثقافة العمل والإنجاز والنجاح والقيم العليا في المجتمع والدولة..

العاطلون عن العمل والعاطلون عن التفكير..وكيف يتم تشكيل ثقافة العمل والإنجاز والنجاح والقيم العليا في المجتمع والدولة..

* بقلم : الدكتورخلف المفتاح

عالم اليوم هو عالم الأرقام والحسابات وعالم الأفكار والمعرفة وتحليل البيانات والمؤشرات والاستطلاع وقياس المردود؛ فالسياسة اليوم هي رياضيات وفيزياء وكيمياء وليست إنشاء وتعبيراً، وعند الحديث من هنا تصبح القضايا المتعلقة بالبنية العلمية وطريقة التفكير أو الذهنية؛ التي تحكم المجتمع ذات أهمية استثنائية توجب على المعنيين بالشأن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وحملة الأقلام والباحثين في الدراسات الأنثربولوجية إيلاء هكذا قضايا ما تستحقه من اهتمام؛ لجهة أنها ذات تأثير كبير على المجتمع و ديناميكيته وتطوره المستقبلي، وحق الأجيال في العيش بكرامة ووئام وانسجام.
– ولعل ما يميز الدراسات المتعلقة بالتنمية البشرية اهتمامها بالمؤشرات الرقمية المتعلقة بالمستوى العلمي والمعرفي لمجتمع من المجتمعات، ولعل ما يعنينا في هذا المقام هو الدراسات المتعلقة بالمجتمعات العربية؛ ومنها: مجتمعنا العربي السوري الذي يعيش ظروفاً صعبة واستثنائية بفعل الحرب بل الحروب التي شنت عليه بأشكالها المختلفة، وبالإشارة للمجتمعات العربية وهو مجال حديثنا؛ إذ تشير الدراسات المشار إليها أن أغلبها لم يفك ارتباطه بالجهل والأمية وفق تعريفها الحديث، حيث تقارير التنمية البشرية إلى أنَّ الأمية في أحسن حالاتها إذ يبلغ عدد الأميين في الدول العربية حوالي 100مليون يضاف إليهم أكثر من 60 مليون عاطل أو معطل عن العمل، ولم تشمل الدراسات والإحصائيات العاطلين او المعطلين عن التفكير بحكم التنويم السياسي والاجتماعي؟ ولا شك أنَّ تحليل مثل هذه الأرقام والوقوف على نتائجها هو مسألة غاية في الأهمية؛ لأنه يفسر إلى حد كبير حالة التخلف والفجوة الحضارية بيننا وبين شعوب العالم، علماً أنَّ الوطن العربي هو من أغنى دول العالم بالثروات، ولكنها ثروات مبددة وبعضها معطل، ولا شك أن معالجة أي ظاهرة اقتصادية أو اجتماعية يقتضي تحليلها بشكل علمي والوقوف على أسبابها الحقيقية وتقديم الحلول الموضوعية العلمية لها، وبظني أن ثمة أسباب تفسر ذلك .
– ولعل ما يعنينا في هذا المجال التركيز على الجانب المتعلق ببنية المجتمع الثقافية وذهنيته وطريقة تفكيره ومنظومته الأخلاقية والمقصود بها النظرة المجتمعية للعمل كقيمة ومعيار دونما إغفال لدور الدولة وسياساتها وتأثيرها الفعال في ذلك من عدمه، وهنا يمكن إدراج مجموعة من العناصر التي تعطي مؤشرات حول ذلك؛ وهي عناصر يجمع عليها أكثر المهتمين بالدراسات الاجتماعية والاقتصادية ويمكن تحديدها وفق الآتي :
1- حالة الثقة بين أفراد المجتمع وتأثيرها في تسهيل المعاملات هل هي سرية أم شفافة أم متخابثة ..؟
2- العمل وموقعه في ثقافة المجتمع كما أشرنا سابقاً محبة العمل أم الركون إلى الكسل ..؟
3- قيمة حب المال والربحية والادخار حيث تقسم المجتمعات إلى مجتمعات طاردة للمال وجاذبة له ..؟
4- الموقف من الثروة هل تتم صناعتها وحيازتها أم وراثتها ..؟
5- الموقف من المنافسة هل يحكمه التسابق أم التحاسد ..؟
6- الموقف من الاستهلاك هل يتوجه نحو الأجيال الحالية أو المستقبلية ..؟
7- الموقف من العمل هل هو مشقة أم متعة ..؟
8- الموقف من الزمن هل هو واقعي، نفسي، تخيلي ..؟
9- الموقف من الحياة هل تصنعنا أم نصنعها ..؟
– من خلال تلك المؤشرات يمكننا التركيز على دور المؤسسات الرسمية والمدنية والمنابر بمختلف مسمياتها في تشكيل المواقف الإيجابية أو السلبية بدءاً من الأسرة والمدرسة مروراً بالدوائر والفضاءات الأخرى في تشكيل ثقافة العمل والإنجاز وعد العمل والإنجاز والنجاح قيمة عليا، مركز الثقل في منظومة القيم الاجتماعية وسياسات الدولة واستراتيجياتها ونهجها؛ فالتفاعل والتناغم بين الفرد والمجتمع من جهة الدولة أو السلطة من جهة أخرى؛ هو رافعة النجاح في ذلك.

* المدير العام لمؤسسة القدس الدولية (سورية)

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

آخر الأخبار